محمد بن علي بن الأزرق الحميري الأصبحي الغرناطي

547

روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام

به وجوب المصير إليه تحقيقا لضرورة الاحتياج إلى هذه الصناعة ، وافتقار سائر الناظرين في الشريعة إلى المعرفة بها . لكنا نزيد ذلك إيضاحا بذكر أمثلة تجري على نهج هذا الاعتماد مع تضمنها لمدرك النظر فيها بين العلماء - رضي اللّه عنهم - وصحة القول في بعضها ، ألا ينازع فيه إلا من جهل مقاصد هذا العلم . المثال الأول : مسألة الرّجلين في الطهارة ، فرضها عند الجمهور : الغسل ، وعند الإمامية من الروافض المسح ، وعند داود « 1 » والطبري : التخيير بين الغسل والمسح ، وعند بعض الظاهرية يجب الجمع بينهما . ومدرك الخلاف أن قراءة النصب في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ « 2 » ظاهرها : العطف على المنصوب المتقدم ، وهو الوجه ، واليدان ، وحينئذ فيكون حكمها : حكم ما عطفا عليه ، وهو الغسل . وقراءة الخفض ظاهرها : العطف على لفظ « برءوسكم » ، وإذ ذاك فالمسح فيهما كما في الرؤوس . وإذا صحت القراءتان فلا سبيل إلى الجمع بينهما بمعنى رد إحداهما إلى الأخرى إلا بترجيح مستمد من أصول هذه الصناعة منضما إلى الاستدلال بفعله صلى اللّه عليه وسلم على رأي الجمهور 154 و / / في وجوب غسلها ، وهو المعني بحمل هذه القاعدة الفقهية على ما تقتضيه قواعد هذه الصناعة ، وقد قرروا رد قراءة الخفض الأخرى بوجوه : أحدها : احتمال خفضها على الجواز ، وإن كانت معطوفة على اليدين لما

--> ( 1 ) داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري ( أبو سليمان ) . ت : 270 ه - 883 م . أول من استعمل قول الظاهر ، وأخذ بالكتاب والسنة ، ونفى القياس في الأحكام الشرعية ، وكان أكثر الناس تعصبا للشافعي . له تصانيف عدة منها : « كتاب الإيضاح » وكتاب « أدب القاضي » و « كتاب الكافي في مقالة المطلبي » . انظر الفهرست : 317 - 319 ، وتاريخ بغداد : 8 / 369 - 375 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 6 .